ابن كثير

464

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مائة سنة - أو قال يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال » « 1 » . ورواه الترمذي من حديث يونس بن بكير به . وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه ، قال حماد : ولا أعلمه إلا قد رفعه في قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وفي قوله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ قال : جنتان من ذهب للمقربين ، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين . فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان فتثمر من جميع الألوان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قال الحسن البصري : إحداهما يقال لها تسنيم ، والأخرى السلسبيل . وقال عطية : إحداهما من ماء غير آسن ، والأخرى من خمر لذة للشاربين ، ولهذا قال بعد هذا : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ أي من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون ، ومما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . قال إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس ، ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل ، وقال ابن عباس : ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء يعني أن بين ذلك بونا عظيما وفرقا بينا في التفاضل . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 54 إلى 61 ] مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 55 ) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 57 ) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ( 58 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 59 ) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ ( 60 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 61 ) يقول تعالى : مُتَّكِئِينَ يعني أهل الجنة ، والمراد بالاتكاء هاهنا الاضطجاع ويقال : الجلوس على صفة التربيع عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وهو ما غلظ من الديباج ، قاله عكرمة والضحاك وقتادة وقال أبو عمران الجوني ، هو الديباج المزين بالذهب ، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة ، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى . قال أبو إسحاق عن هبيرة بن يريم عن عبد اللّه بن مسعود قال : هذه البطائن ، فكيف لو رأيتم الظواهر « 2 » . وقال مالك بن دينار : بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور ، وقال سفيان الثوري أو شريك : بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد ، وقال القاسم بن محمد : بطائنها من إستبرق وظواهرها من الرحمة ، وقال ابن شوذب عن أبي عبد اللّه الشامي : ذكر اللّه البطائن ولم يذكر الظواهر ، وعلى الظواهر المحابس ولا يعلم ما تحت المحابس إلا اللّه تعالى ، ذكر ذلك كله الإمام ابن أبي حاتم

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الجنة باب 9 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 605 .